السيد محمد الصدر

77

تاريخ الغيبة الصغرى

جزما ، وخرق بها النواميس الطبيعية ، ولا توجد المعجزة في خارج هذا الحد . وبذلك سبق أن نفينا الأطروحة الأولى ، لعدم احتياج المهدي ( ع ) في سلامته إلى الاختفاء الدائم . وأما بالنسبة إلى بلد أو مجتمع مسلم ، يختفي اختفاء شخصيا برمته ، كما يدعي هذا الباحث . . . فليس الأمر فيه أن إقامة الحجة أو إكمالها متوقف على وجود المعجزة . فان المفروض أن أفراد المجتمع قد اعتنقوا الاسلام وأخلصوا له وتمت حجته عليهم . فأي حجة تبقى بعد ذلك لنحتاج إلى المعجزة . وإنما المفروض أن سلامته من الأعداء متوقف على اختفائه . . . إلا أن ذلك مما لا يعرف في الاسلام ، وهو خارج عن القانون العام لإقامة المعجزات . إذن فالمعجزة غير متحققة ، فلو كان موجودا لكان ظاهرا لا محالة . ولو كان ظاهرا لكان معروفا . وحيث أنه غير معروف ولا ظاهر ، إذن فهو غير موجود . ولو صح اختفاء مجتمع مسلم لسلامته من الاعتداء ، لصح اختفاء مجتمعات مسلمة كثيرة تعرضت للغارات العديدة على مر التاريخ . على أن ذلك لم يحدث . ولو كان قانون المعجزات يوجب حدوث ذلك ، لحدث على أي حال . وقد يقال : بأن لهذا المجتمع المفترض خصوصية كبرى تميزه عن سائر المجتمعات ، وهو وجود الإمام المهدي فيه ، فمن الجائز أن يخصه اللّه تعالى بالاختفاء . إلا أن هذه الفكرة غير صحيحة بالمرة . إذ لو توقفت سلامة الإمام عليه السلام وبقائه وغيبته ، على غياب هذه المدن ، لكان أمرا صحيحا . إلا أن هذا التوقف غير موجود بالمرة ، إذ قد عرفنا بأن الإمام المهدي ( ع ) يمكنه أن يحرز سلامته وغيبته في أي مكان من العالم على كلا الأطروحتين الرئيسيتين . ومعه لا تبقى لذلك المجتمع أي خصوصية من هذه الناحية . بل من المستطاع القول ، بالنسبة إلى ما ذكرناه من إتمام الحجة : أنه ليس فقط أن إقامة الحجة على هذا المجتمع لا يتوقف على اختفائه كما قلنا ، بل أن إكمال الحجة عليه يتوقف على ظهوره وكونه جزءا من العالم البشري المنظور . وذلك انطلاقا من قانون التمحيص الإلهي الثابت عقلا ونقلا ، على ما سنفصله في باب قادم من هذا التاريخ .